يرسم محمود حسن صورة يومية لكيف غيّرت موجات الغلاء في مصر شكل العلاقات داخل البيوت، خصوصًا مع اقتراب رمضان، إذ يدفع التضخم وتراجع قيمة الجنيه وضعف الأجور كثيرين إلى تقليص الزيارات والولائم والهدايا، أو إلغائها بالكامل، بعدما صارت “المجاملة” نفسها بندًا ثقيلًا في ميزانية البيت.
ويعرض التقرير في ميدل إيست مونيتور ملامح “تقشف اجتماعي” جديد، إذ تتحول صلة الرحم من لقاءات متكررة على مائدة واحدة إلى مكالمات سريعة ورسائل فيديو، بينما تتراجع دعوات الإفطار التي اشتهرت بها العائلات المصرية، ويزداد الإحراج من زيارة الأقارب بلا حلوى أو فاكهة أو “عيدية” للأطفال.
موائد رمضان تنكمش تحت ضغط الغلاء
يقول أحمد سيد (40 عامًا) إنه كان يجمع أخواته كل جمعة على الغداء في بيت العائلة، ثم أوقف العادة بعدما قفزت أسعار اللحوم والدواجن. ويستعيد أبو وليد صلاح (65 عامًا) ذاكرة التسعينيات حين تلقّت أسرته عشرات الدعوات في رمضان، ويقارنها بواقع تقلّ فيه الولائم العائلية لأن أسعار الطعام لم تعد “في المتناول” كما يصف.
يربط التقرير هذا التراجع بحركة التضخم التي بلغت ذروة تاريخية عند 38% في سبتمبر 2023، ثم انخفضت إلى 31.8% في أبريل 2024، قبل أن تتراجع إلى 11.9% على أساس سنوي في يناير 2026. لكن انخفاض النسبة لا يبدد أثر سنوات الغلاء، خصوصًا مع ارتفاع أسعار البروتين الحيواني الذي يراه كثيرون “شرطًا” على المائدة المصرية عند استقبال الضيوف: يصل سعر كيلو اللحم البقري إلى نحو 440 جنيهًا، وتتجاوز الدواجن 100 جنيه للكيلو، ويقترب البلطي من 100 جنيه للكيلو، مع زيادات موازية في الخضار والفاكهة والحلويات.
ويستشهد التقرير بدراسة عام 2022 شملت ستة آلاف أسرة، إذ خفّض 85% استهلاك اللحوم وقلّص 75% استهلاك الدواجن والبيض بسبب الأسعار، وفق المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية.
تراجع الزيارات والهدايا.. وصعود «العزومات»
تصف منى عبد الله (45 عامًا) اختفاء الدعوات التي اعتادت تلقيها في رمضان من الأهل والأقارب، وتقول إن السبب واضح: ترتفع كلفة إفطار يستضيف أسرتين إلى نحو 2000 جنيه، وهو رقم يلتهم ربع دخل زوجها الشهري البالغ 8000 جنيه تقريبًا.
تتغير أيضًا قواعد الضيافة نفسها. يذكر التقرير أن بعض البيوت لم تعد تتحمل تكلفة “العزومة” وحدها، فيلجأ أفراد العائلة إلى تقسيم الأطباق؛ يحمل كل ضيف طبقًا أو طبقين لتخفيف العبء، بعدما ظل هذا السلوك لفترة طويلة غير مقبول اجتماعيًا. ويقول محمد عبد الفتاح، مندوب مبيعات، إنه يعجز عن ترتيب تجمع عائلي رغم شكوى الأب والإخوة من “الجفاء”، لأن دخله لا يغطي مصروفات البيت.
ويمتد أثر الغلاء إلى تفاصيل صغيرة لكنها حساسة: يقل حمل الضيوف للحلوى والفاكهة، وتتقلص “العيدية”، ويتوقف بعض الناس عن الزيارة أصلًا بسبب تكلفة الانتقال أو خشية الإحراج من القدوم “بلا هدية”. كما يضيف التقرير عاملًا ضاغطًا آخر: يرفع ارتفاع الوقود وتعريفة المواصلات كلفة السفر بين المحافظات، فيتراجع حضور الأقارب من المدن البعيدة.
صلة رحم عن بُعد.. ومحاولات مقاومة في الريف والصعيد
يصف التقرير نمطًا جديدًا للحفاظ على الروابط العائلية عبر الهاتف ووسائل التواصل بدل الزيارات المباشرة، حتى في مناسبات اعتاد الناس حضورها حضوريًا مثل المرض الشديد أو الجنازات أو الأفراح، خصوصًا مع اتساع المسافات وغلاء المواصلات. ويقول ربيع علي، موظف حكومي، إنه لم يزر بلدته في صعيد مصر منذ أربع سنوات رغم وجود إخوته هناك، ويربط ذلك بكلفة السفر بين القاهرة وسوهاج وبالتوقعات الاجتماعية المتعلقة بإحضار الهدايا.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن بعض العائلات، خاصة في الريف والصعيد، تحاول مقاومة هذا التفكك؛ يدّخر بعضهم مبكرًا لرمضان أو يعتمد “جمعية” دورية لحماية فكرة “اللمة” حول مائدة واحدة.
ويحذر محمد جمعة، باحث سياسي، من أن الانسحاب الاجتماعي يصبح نتيجة طبيعية للفقر وارتفاع كلفة المعيشة، إذ ينشغل الناس بتأمين الضروريات ويقل ما يقدّمونه للآخرين، فتضعف المجاملات والزيارات والتكافل. ويستحضر التقرير تصريحًا للبنك الدولي عام 2019 أشار إلى أن نحو 60% من المصريين “فقراء أو معرّضون للفقر”، مع إشارات إلى تقديرات غير رسمية ترجّح ارتفاع الفقر بعد تعويم العملة في مارس 2024.
ويختم التقرير بدعوة من الشيخ أحمد طه (من الأزهر) إلى ترميم هذا الشرخ الاجتماعي، إذ يرفض ربط صلة الرحم بالهدايا، ويذكّر بأن القدرة المالية تختلف بين الناس، وأن القرآن يقرر: “لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها” (البقرة: 286).
https://www.middleeastmonitor.com/20260217-rising-prices-strain-family-ties-in-egypt/

